علي بن موسى الغرناطي الأندلسي

31

المغرب في حلي المغرب

ملهج لسانها ، وحلّ من عينها مكان إنسانها ، وكان له مع أبي الوليد ابن جهور تآلف أحرما بكعبته وطافا ، وسقياه من تصافيهما نطافا ، وكان يعتدّ ذلك حساما مسلولا ، ويظن أنه يردّ به صعب الخطوب ذلولا ، إلى أن وقع له طلب أصاره إلى الاعتقال ، وقصره عن الوخد والإرقال ، فاستشفع بأبي الوليد وتوسّل ، واستدفع به تلك الأسنّة المشرعة والأسل ، فما ثنى إليه عنان عطفه ، ولا كفّ عنه فنون صرفه ، فتحيّل لنفسه ، حتى تسلّل من حبسه ، ففرّ فرار الخائف ، وسرى إلى إشبيلية « 1 » سرى الخيال الطائف ، فوافاها غلسا قبل الإسراج والإلجام ، ونجا إليها برأس طمرّ ولجام ، فهشّت له الدولة ، وباهت به الجملة ، فأحمد قراره ، وأرهفت النكبة غراره . وحصل عند المعتضد باللّه بن عباد ، كالسويداء من الفؤاد ، واستخلصه استخلاص المعتصم لابن أبي دؤاد ، وألقى بيديه مقاد ملكه وزمامه ، واستكفى به نقضه وإبرامه ، فأشرقت شمسه وأنارت ، وأنجدت محاسنه وغارت ، وما زال يلتحف بخطوته ، ويقف بربوته ، حتى أدركه حمامه ، ولقي السّرار تمامه ، فأخبى منه شهبا طالعة ، وزهرة يانعة ، وقد أثبت من مقاله ، في سراحه واعتقاله ، ومقامه وانتقاله ، ما هو أرقّ من النسيم ، وأشرق من المحيّا الوسيم ، من ذلك قوله متغزلا « 2 » : يا قمرا أطلعه « 3 » المغرب * قد ضاق بي في حبّك المذهب ألزمتني الذنب الذي جئته * صدقت ! فاصفح أيّها المذنب وإنّ من أغرب ما مرّ بي * أنّ عذابي فيك مستعذب ورحل عنه من كان يهواه ، وفاجأه ببينه ونواه ، فسايره قليلا وما شاه ، وهو يتوهم ألم الفرقة حتى غشّاه ، واستعجل الوداع ، وفي كبده ما فيها من الانصداع ، وأقام يومه بحالة المفجوع ، وبات ليله منافر الهجوع ، يردّد الفكر ، ويجدّد الذكر ، فقال [ الرمل ] « 4 » : ودّع الصّبر محبّ ودّعك * ذائع من سرّه ما استودعك يقرع السّنّ على أن لم يكن * زاد في تلك الخطا إذ شيّعك يا أخا البدر سناء وسنا * حفظ اللّه زمانا أطلعك إن يطل بعدك « 5 » ليلي فلكم * بتّ أشكو قصر الليل معك

--> ( 1 ) إشبيلية : مدينة في الأندلس ، فتحها العرب وانتزعها منهم فرديناند . المنجد في اللغة والأعلام ( ج 2 / ص 48 ) . ( 2 ) الأبيات في الديوان ( ص 269 ) طبع الحلبي . ( 3 ) في الديوان : مطلعه . ( 4 ) الأبيات في نفح الطيب ( ج 5 / ص 341 ) وفي الديوان ( طبعة علي عبد العظيم ) . وفي الأدب الأندلسي والمغربي ( ص 127 ) . ( 5 ) في الديوان : إن يطل ليلك بعدي .